أخبار الأسبوعأدبأدب وشعرالأسبوع العربيالثقافة والفنونثقافةفاعليات ثقافيةفنفنونقصة دينيةقصة قصيرةقصص ورواياتمجلة الأديب العربيمجموعة قصصيةمنوعاتنثرنجوم الأسبوع العربي

على خشبة الشيطان

صفقة مع الظل

بقلم / أحمد درويش العربى

من مجنوعتى القصصية صدى الارواح

كانت الساعة تقترب من الحادية عشرة مساءً، ومصطفى مستلقٍ على فراشه كعادته، يحدق في سقف الغرفة الذي تصدع، كأنما يوشك أن يسقط فوق رأسه، تمامًا كأحلامه.

فتح التلفاز بلا مبالاة، قلب القنوات حتى استقر على لقطة مألوفة… يحيى الفخراني في دور ونوس، واقفًا بحضور مهيب، يقابل نبيل الحلفاوي في مشهد من أكثر المشاهد التي غاصت في الوجدان لكل من شاهد ذلك المشهد .

شده فى المشهد .

 الكلمات، النبرات، النظرات التي تسري كسمّ بطيء في دماء المشاهد.

 الشيطان يتحدث، لا قرون له أو ذيل، بل بوجه إنسان، فهو يعرف جيدًا كيف يغوي وكيف يمنى .

مصطفى لم يرَ تمثيلًا… بل رأى نفسه.

أحس بقشعريرة ، قلبه ينبض كأن داخله طبول حرب.
لا يعرف كيف، لكن المشهد اجتذبه بقوة غريبة.
تداخل الواقع بالخيال، وبدأت الغرفة تدور من حوله شيئًا فشيئًا.

كان واقفًا في ظلمة حالكة، إلا من ضوء واحد يتسلل من أعلى ليسقط على رجل يجلس في منتصف خشبة مسرح واسعة.
كان الرجل أنيقًا، وسيمًا، يبتسم بهدوء.

قال موجهًا حديثه إلى مصطفى دون أن يرفع عينيه:
تأخرت كثيرًا يا مصطفى… كنت أظن أنك ستأتي قبل ذلك بكثير.

مصطفى نظر حوله، ثم إلى نفسه. كان يرتدي ملابس لا يذكر أنه لبسها من قبل.

عقله يصرخ: أنا فى حلم.

لكن جسده لا يشعر بذلك.
سأل محدثه :

من أنت؟
أجابه الرجل الانيق  وقد رفع عينيه اللتين كانتا سوداوتين تمامًا، بلا بياض:

أنا من رأَك تبكي وأنت وحدك… أنا من وعدك بالشهرة عندما كتبت أول قصة، وأنت لم تهتم وتركتني.
لكني عدت مرة أخرى… عدت لأني أملك عرضًا جديدًا لك.

اقترب منه مصطفى خطوة… ثم أخرى.

قال الرجل الأنيق:
ما رأيك أن تمتلك المال، والنساء، والنجاح، والشهرة، وحتى الطمأنينة… ستجدها عندي.

نظر مصطفى للرجل وأجابه بسؤال من كلمة واحدة:

والمقابل؟

ضحك الرجل الأنيق:
“تفصيلة صغيرة… روحك.

 لن آخذها بالكامل بالطبع … لكن سنطفئ نورها قليلاً.
سنجعل من ذلك الصوت الداخلي الذي تسميه أنت الضمير، وأسميه أنا التخاذل، أداةً صامتة.

كان في نبرة صوته شيء ساحر… مثل لحنٍ قديم يعرف مصطفى ترديده، لكنه نسي أين سمعه أول مرة.

ظهر فجأة من الجانب الآخر من المسرح شيخٌ وقور، ملامحه هادئة، في عينيه نور لا يُشع، لكنه ملاحظ.
صاح ناصحًا لمصطفى :

مصطفى… لا تستبدل النور بالوهج الكاذب.

أجابه مصطفى:
ولكن تعبت… كل هذا العمر ولم أجد فرصتي بعد…لم أحقق شئ بعد .

ومن قال إنك خُلقت لتُكافأ هنا؟

هكذا سأل الشيخ ثم أردف :
فلتصبر ساعة، وستحصل بعدها على نعيم أبدي.
لا تصدق من يبيعك حلمًا، ويأكل به روحك قطعة بعد قطعة.

وهنا دار حوار ثلاثي:
الشيطان يَعِد، يغوي، يهمس بالحلول السهلة.
الشيخ ينصح، يذكّر، يشير إلى الطريق الطويل، لكنه طريق الأمان والسلامة.
مصطفى كان يتقلب داخليًا كمن يصارع موجتين في بحرٍ لُجّي وهو لا يجيد السباحة.

واحدة تقول انطلق.
والأخرى تقول اثبت.

قال الشيطان وهو ينهض واقفًا أمام مصطفى:

تعرف أنك لست الأول الذي أحضره إلى هنا؟
كل من وقف حيث أنت، جرب المقاومة… ثم رضخ .
والآن صاروا من السعداء… هل تحب أن ترى؟

ضرب بيده المسرح، فانفتح الستار ليكشف عن مشاهد لأصدقاء مصطفى الذين باعوا قيمهم، لكنهم أصبحوا نجوماً، يعيشون ببذخ، ويتمتعون بأنواع الملذات.

أشار الشيطان إلى أحدهم وسأل مصطفى :

هل ترى ذلك النجم؟
كان يقف حيث أنت الآن… ثم صار إلى ما ترى من شهرة ومحبة الناس له والتفافهم حوله.

كان مصطفى يعرف ذلك الشخص… كان صديقه، وكان كثيرًا ما يعطف عليه لرقة حاله.
الآن صار من النجوم المعدودين في سماء الشهرة.

حدث مصطفى نفسه وسألها:
هل الأمر يستحق أن أبيع روحي لمن أعرف منذ القدم أنه عدوي؟

أغلق مصطفى عينيه، رفع رأسه للسماء، وصاح:

يارب… لا تكلني إلى نفسي وإلى الشيطان طرفة عين.

انفجر المسرح نورًا
ارتعد الشيطان، حاول أن يقترب من مصطفى ليغويه و ليمنيه ، لكن كلما اقترب احترق أكثر.
ابتسم الشيخ  وقال بهدوء:
الان قد عرفت الطريق… فسير عليه، ولو زلت قدمك يوما ، فالتعد الى مولاك.

صرخ الشيطان:
أنا لن أبتعد كثيرا سأظل دائما بقربك … سأنتظر لحظة ضعفك لحظة غفلتك  وسأقتنصها.
قال مصطفى بثبات:
. أعلم ذلك… ولكن أعرف أيضا أن كيدك ضعيف

اختفى كل شيء…
وعاد إلى غرفته.

كان التلفاز ما يزال يعرض نفس المشهد، كأن شيئًا لم يحدث
أغلقه.
أخذ نفسًا عميقًا، ثم فتح درجًا قديمًا، وأخرج منه مصحفًا مهترئًا، لم يلمسه منذ شهور.

قرأ بصوت خافت، يشبه البكاء:

وما أبرئ نفسى أن النفس لأمارة بالسوء الا من رحم ربى

أغلق المصحف وهو يتلو :

إن كيد الشيطان كان ضعيفا

عند تلك النقطة تأكد  مصطفى ان…

الشيطان… سيظل شيطانًا، لا يقبل هداية، ولا يعرف نورًا.
والإنسان… يظل إنسانًا، فيه النفس التي تهبط، والروح التي تسمو، والجسد الذي يشقى بينهما
وبين السقوط والصعود، تدور رحى الحياة.
فاز مصطفى فى تلك الجولة… اختار أن يحاول، وسيحاول… كلما وسوس له ذاك الذي لا ييأس.

                                             (( أنتهت )) 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى